دوّن لنا همام دوبا:

لماذا نشارك النّاس أفراحهم وأتراحهم؟، ولماذا نقوم بالتبرّع للمؤسسات الخيرية والتنموية؟، ولماذا نصوّت وننتخب؟، ولماذا نساعد رجلاً كبيراً في السنّ بنزول الدرج، أو سيّدة كبيرة في حمل أغراضها الثقيلة؟، لماذا نساعد الفقير والمحتاج ونغيث الملهوف؟، ولماذا نؤسّس فرقاً تطوّعيّةً و نعمل على سدّ حاجات مجتمعاتنا؟، لماذا ندفع الضرائب؟، وفي أعمق من ذلك لماذا قمنا كبشريّة بإختراع مفهوم الدول ووضعنا الدساتير والقوانين التي تجرّم الأفعال؟
بمعنى ما هي القيمة التي تدفعنا -أشخاصاً ومجتمعات- على القيام بكلّ ذلك ؟
إن ما وراء كلّ ذلك هو قيمة “التضامن”

عندما نفكّر بالقيمة التي دفعت البشرية إلى تكوين المجتمعات الأولى نجد أنّ “التضامن” هو تلك القيمة التي تبنّتها البشرية لتخطو خطوتها الأولى نحو الحضارة والتمدّن، فعندما قرر النّاس أن يتضامنوا فيما بينهم لتأمين الموارد ودرء الأخطار ورعاية المرضى والحرص على سلامة الجميع، نشأت مفاهيم الدولة الأولى، وأتاح هذا التضامن وقتاً واختصر جهداً استثمر في التفكير بتطوير الأدوات واكتشاف الزراعة وبالتالي انعكس هذا التضامن المعنويّ والماديّ إلى التضامن المكانيّ فاستقرت المجتمعات في مواقع جغرافية محددة وتخلّوا عن حياة الترحال مشكلين الصورة الأولى ل “الوطن” فكان من الضرورة في مكان أن يلحق هذا التطور في قيمة التضامن تطوّراً في البنى الفوقية فبدأت القوانين تظهر، والسُلطات في التشكل، لتنتقل هذه القيمة من كونها دافعاً للتطور فقط، إلى قيمة منظِّمة تصوغها التشريعات والضرائب وآليات الحُكم
فالضرائب على سبيل المثال، هي من أكبر تجلّيات قيمة التضامن، حيث يدفع الناس مقداراً من دخولهم ليتضامنوا مع بعضهم في إحداث وتطوير الخدمات التي ينتفع بها جميعهم، والعمل الأهلي من أهم مظاهر التضامن، حيث يتضامن أبناء مجتمع معين لسدّ احتياجات مجتمعهم، وكذا المجتمع المدنيّ الذي يتبنّى في أساسه قيمة التضامن ويعمل من خلالها ولها لتحقيق واقع أفضل لمجتمعهم وبلدهم، وتظهر قيمة التضامن بشكل أوضح عند حدوث الهزات الاقتصادية والاجتماعية فتزداد حاجة المجتمع إلى هذه القيمة كي يخلّص نفسه مما خلفته هذه الهزات ويعود إلى سكّة التطور والنهوض بواقعه، فكلمة المجتمع مشتقّة من الجمع والجماعة وما يجمع بين أفراد الجماعة هي قيمة التضامن بالمرحلة الأولى فللوصول إلى أيّ نتيجة يسعى لها المجتمع لابد أن يحمل كلّ فرد من هذا المجتمع قيمة التضامن في وجدانه وسلوكياته وأخلاقياته وعلى هذه القيمة ومن خلالها تُبنى قيم أخرى كالمسؤولية والإحترام والصدق.

الآراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.