دوّنت مروى ملحم:

كإنسان في أي مكان في العالم، لا يضعفك شيء ويمنعك عن السعي مع العالم لبناء العالم، سوى أن تكون مظلوماً، الظلم آفة البشرية التي تجعلها في اقتتال مستمر، ما الذي نبتغيه في أي بلد نكون وأي زمن نكون، سوى أن نمتلك العدالة التي تدفعنا للإيمان بقدرة الإنسان على الإنتاج؟ على صنع الأوطان التي ينتمي إليها بجوارحه لأنه عمّرها بيديه؟
يقول مارتن لوثر كينغ أنه “يجب أن تقترن العدالة بالقوة بحيث يصبح كل شيء عادل قوي وكل قوي عادل”.

المساواة ليست امتيازاً يمنح إلى الإنسان من إنسان وضعته الحظوظ الموروثة أو المصادفات التاريخية في مناصب عليا، المساواة فطرة تأسس عليها الكون، حين يُطالب الفقراء أو الأقل حظاً بأن يقيموا في بيوت باردة، ويمتلكوا خزائن فارغة، لن يهتموا بزج أيديهم في دعك العجينة التي ستخبز المستقبل، بل ستتجه بفطرتها كي تتدفأ في جنوب الأغنياء.
حين تُطالب النساء بأن يجلسن في قواقع مظلمة لا تدخلها الشمس، وأن يترعرعن في الجهل منغمسات في واجب صنع الملذات للرجال، لن يتكلفن عناء إشعال الضوء للأبناء كي يصعدوا إلى القمم، أو يسيروا إلى آخر النفق.

في تعريف العقد الإجتماعي أجاب جان جاك روسو عن سؤال: “المساواة؟ هي ألا يبلغ مواطن من الثراء ما يجعله قادراً على شراء مواطن آخر، وألا يبلغ مواطن من الفقر ما يجعله قادراً على بيع نفسه”. والأمر الجوهري في المساواة هي ألا يتم جعلها منحة، بل أن تنغرس في ضمير الجماعة والوجدان الصانع للهيئة التاريخية لمرحلة ما من تاريخ أمة.

طوال القرون الثلاثة الأخيرة فطن المنظرون والكتاب والسياسيون وبالتالي الناشطون والمدرسون والفنانون إلى مفهوم المساواة و بدأ تدوير المصطلح بين الكتب والمؤلفات وتتويجها على قائمة الأهداف المنشودة إنسانياً، في ثلاثينيات القرن العشرين وفي الفترة اللاحقة للحرب العالمية الثانية اقترب العالم أكثر ما استطاع من تحقيق فكرة المساواة المرتبطة حتمياً بالعدالة، لكنه لا يلبث أن يفتت أنظمة توزيع الثروات وتقارب الطبقات الاجتماعية ليعود آلى دوامة هضم الحقوق وتباين الطبقات والتحيز ضد أجناس أو أديان او قوميات. ولا بد أنه مثير للعجب، أن ينزع العالم بأسره، للانحراف عن أكثر فكرة تقارب الفطرة السليمة، وأكثر قيم قادرة على السير بالحضارات قدماً نحو الأعلى، وثورة تلو ثورة، يحاول تصحيح نفسه، يقوده فلاسفة التنوير، أو دعاة العدالة.

الأمر أن العالم سيستمر في الانقلاب عن دراجته المسرعة دون أن يترك أثراً على أسفلت التاريخ الرطب، طالما أنه لا يمنح ضمير الفرد الارتياح لكونه ممثلاً بأحقية أمام القانون، وحاصلاً على فرصه المتكافئة دون منة أو تلاعب، طالما أن المرأة فيه تترك غالباً في الوراء تنازع وحيدة، وتسلب اللقيمات من أبناء احياء أطراف المدن، فيهرعون لاصطيادها عن موائد باذخة في المراكز.
إن الإنسان عاجز عن الإنتاج، طالما أن الظلم يدق داخله مثل نواس مشعلاً رغبة الهدم.

حتى في حروب الحضارات، “المساواة هي الشرط الوحيد لنزال شريف، فحيثما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حرباً” بحسب نيتشه.

**
هذا التعاون بالشراكة مع Playmaker

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *