دوّن لنا يعرب العيسى – صحفي سوري

“القيم بوصفها مساراً إلى الأمام”

. . .
يُعلي برنارد شو من قيمة الحوار واستخدام اللغة في سياق تطور النوع البشري، وقد لخّص رؤيته تلك بجملة مكثفة من تلك الجمل التي تنتمي لقائمة الجمل النهائية: “حين ألقى أول رجلٍ في التاريخ كلمة حيث كان عليه أن يلقي حجراً بدأت الحضارة”
علماء الاقتصاد (وبعضٌ من فروع أخرى من العلوم) ينسبون الحضارة لتلك اللحظة التي خطر فيها لرجل من الهلال الخصيب أن ينثر بشكل متعمّد بعضاً من حبوب القمح في حقل ما على ضفة نهر الفرات، ويربطون بين الحضارة وبين تدجين القمح بوصفه بداية عصر الزراعة والاستيطان البشري، ثم نشوء المجتمعات وظهور المفاهيم المدينية وما أنتجته ورسّخته من قيم مدنية.
الأنثروبيولوجيون ذهبوا لمدى أبعد وأكثر عمقاً، وربطوا الحضارة بقيم التعاون، وقد لخصت العالمة مارغريت ميد ذلك المفهوم بكثافة عبقرية: أولى علامات الحضارة عثرنا عليه وسط حقل في أثيوبيا، كانت عظم ساق لرجل بالغ، عليه آثار كسر قد شفي.
وهذا يعني أن الرجل حين كسرت ساقه لم يُترك ليموت، كما يحصل في مملكة الحيوان، بل كان هناك من جلب له الماء من النهر، وأحضر له طعاماً، وحماه من الوحوش، وساعده على قضاء حاجاته لشهرين أو ثلاثة، حتى استعاد عظمه المكسور عافيته.
هل يمكننا الآن أن نتخيل إنساناً يتعرض لحادث ما، لكسر، لمرض، فيُترك ببساطة ليواجه مصيره المحتوم؟ لا يحدث ذلك إلا بحالات نادرة نادرة، وإذا حدث فهو يقابل بعاصفة من الاستنكار والاستهجان والحوقلة والتعوذ. صارت قيم التعاون والتعاضد والرحمة، والتعاطف مع الأضعف بديهية للغاية، رغم حداثتها النسبية، فالنوع البشري لم يجعل هذه القيم جزءاً من تكوينه وتعريفه إلا أمس (أي قبل عشرة أو اثني عشر ألف عام).
اليوم العادي في حياة الإنسان المعاصر يصل إلى مسائه بسبب سلسلة من القيم التي رسخها البشر عبر القرون، وتعاملوا معها كضرورة للبقاء. لم يعودوا يلتفتون إليها، ويتعاملون معها ببديهية تعاملهم مع الكبد والطحال.

حين يخرج أي منّا من بيته في الصباح، فهو متأكد تماماً أن ملايين السائقين الذي يسيرون في الشوارع الآن لن يصدموه عمداً، أو لمجرّد التلذذ بقتل إنسان، كما كان يجري في الغابة. وسيعبر من أمام دكان بائع اللحم وهو يحمل سكيناً بطول نصف متر وبنصل قادرٍ على ذبح جمل بثانيتين، وهو متيقن تماماً أن القصّاب يشحذ سكينه على مدار الساعة ليقطع فيها وجبات الطعام، لا ليخرج راكضاً إلى الشارع كي يقطع رؤوس العابرين.

بالطريقة نفسها يجلس بأمان بين يدي حلّاق يحمل بيده شفرة ويمر بنصلها على وريدَي عنقه مرات كثيرة خلال نصف ساعة، ويقبض ثمن عمله أوراقاً ملونة واثقاً بالمركزي الذي أصدرها، ويثق ببائع الأجبان حين يخبره أن هذه الكومة أفضل من تلك. يخرج من جيبه بعض قطع النقود الصغيرة ليعطيها لتلك السيدة العجوز الجالسة على الناصية، أو للجمعية التي تعتني بالأيتام، وهو يرجّح أنها بحاجة لها فعلاً، وان تبرعه الصغير سيحدث فرقاً.

بالطريقة نفسها سيبتسم للغرباء في الشارع، ويجيب على أسئلتهم، يُبعد قشر موز عن الطريق، ويرشّ حبوباً لليمام، يستاء من المتنمرين والعنيفين، ويميز خطاب التمييز ويستهجنه، وقد يفعل شيئاً لتخفيفه، سينهض في الباص ليعطي مقعده لسيدة حامل، وسيساعد طفلاً على جمع قطع لعبته التي سقطت أرضاً، سيربت على رأس صبي آخر أوقف ركل الكرة إلى رفيقه في الجهة الأخرى من الشارع ريثما يعبر الكبار. لن تكتمل متعته في تناول الطعام ما لم يتشاركه مع أحد، سيعبر أمام معابد الديانات الأخرى بخطوات أقل إثارة للضجيج، ويحني رأسه احتراماً لعبور جنازة.

كتبت هذا النص بتحريض من سؤال صديق: “هل القيم المدنية خيار أم ضرورة؟” وأستطيع الإجابة على السؤال بكل بساطة: إنها العمود الفقري لجسد النوع البشري، والذي يندر أن يتذكر أحد أنّه موجود. وسنحتاج للحديث عنه فقط إذا ما أصابه شرخ.

يعرب العيسى
صحفي سوري
Yaroub Aleesa

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *