دوّن طلال معلّا [فنان وباحث في الجماليات المعاصرة]


🔶 القيم المدنية .. المتغير والواقع 🔶
. . .
بات التناقض بين مانرى، ما نقرأ، ما نعرف وما ندرك، وبين المتأصل في الوعي عبر الزمن والتجارب، يشكل هذا التناقض مسافة تجعل الإنسان عالة على المكان، وعلى الناس، إلى حد أن يضحي عدواً لمن يعايشهم فعلياً، أو افتراضياً، وخاصة الأجيال الشابة التي تبحث عن رضا الذات، وهي تقارع في مجال عام، يشتمل على القيم المعنوية والمادية، ويختلف جذريًا عما عاشته الأجيال السابقة – خاصة – أن القيم بصورتها العامة تتبدل وفق معطيات وهويات ومرجعيات وركائز تقتضيها المتغيرات، وبشكل خاص القيم المدنية، حيث تعتمد مناهج اشتقاق القيم ودراستها وتفعيلها على الخبرة الإنسانية، والقدرة على الملاحظة والاستنتاج والاستنباط، لتبقى قيمة الإنسان أهم القيم، من خلال تنظيم قيمة الحياة بالمعنى الإنساني الأشمل.
القيم: هي القواعد التي تقوم عليها الحياة الإنسانية، وتختلف باختلاف تصور المجتمعات والحضارات الإنسانية لموجهات السلوك والعمل ونفسية الإنسان ومشاعره وميوله وعواطفه، يتم اكتسابها من خلال البيئة بحسب حاجة البشر النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالقيمة متغيرة ونسبية وذاتية يصعب قياسها وترتبط بالإنسان، مصادرها العقل والعقائد والمجتمع، ومكوناتها المعرفة والوجدان والسلوك، وهي بمجملها جزء من التراث الثقافي للمجتمعات، ومن كل ما يسهم في بناء الأفراد وتكوين شخصياتهم، والتأقلم مع الظروف لتكوين النمط الاجتماعي.
المدنية: شكل من أشكال التنشئة الاجتماعية لطبقات مجتمعية تنامت قيمها على المستوى التاريخي، وفق مفاهيم النظم الاجتماعية القائمة على المصالح المشتركة، التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار تلك المجتمعات، من مختلف النواحي الثقافية والاقتصادية والسياسية وتحولها إلى مجتمعات مدنية، وخلق بيئة تتشابك فيها القيم المدنية، وتمارس فيها المؤسسات أدوارها المحلية والإقليمية والدولية، في إطار بيئة يتحقق فيها تأدية رسالتها وأهدافها وتأصيل أنشطتها ونسج شبكة علاقاتها والاضطلاع بوظائفها، وهو ما يستلزم الدراية بموقع هذه المؤسسات في مجتمعاتها، وتصوراتها حول أدوارها المتوقعة، وكذلك تقصي قيمها المرجعية في ضوء رسالتها.
القيم المدنية: هي القيم التي يعتمدها المواطن في علاقاته مع الآخرين، الناس والدولة، يحفظ من خلالها حقوقه، ويرسخ العدالة الاجتماعية، ويعزز المساواة بين الناس، وضمان الوصول والتشارك في الموارد، سعياً لإرساء دولة القانون، التي تعتمد مبدأ القوة للحق، وحفظ حقوق وملكيات جميع الناس، دون أن يمس ذلك المصلحة العامة. فمنظومة القيم المدنية تحكم المواطن كسلوك داخل المجتمع المدني، بناء على خصوصياته التي تعد انعكاساً لطبيعة الوجود الاجتماعي للأفراد والمجموعات في مرحلة تاريخية محددة، وداخل تكوين اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي معين، يعتمد على أسس التربية المدنية كفعل تعليمي يجسد هذه القيم، التي يمكن اختصارها بالحرية والمساواة والعمل الطوعي والتسامح والالتزام والمؤسساتية والمشاركة، بالإضافة للشعور بالمسؤولية، وسوى ذلك مما يجعل الأفراد فاعلين في مجتمعاتهم بشكل طوعي لتحقيق الالتزامات الأخلاقية والقانونية، وأن يصبح كل من موقعه عضواً فعالاً في مجتمعه، بالمساهمة بشكل فعال في مختلف الشؤون المدنية.
تعتمد القيم المدنية على مجموعة من المعطيات الرئيسية: كالتضامن وترابط العلاقات الاجتماعية والمسؤولية واحترام الأحكام والمعايير المتفق عليها، وقبول الآخر بكل خصوصياته، والعدالة القائمة على اتخاذ القرارات الصحيحة المتوافقة مع واقع المجتمعات، والتعاون كقيمة مرتبطة بالتضامن والأمانة والصدقية، وكذلك الحرية باعتبارها أساس القيم، كما تعتبر الحوكمة المحلية القائمة على خصوصيات المجتمعات أساساً للتطوير المجتمعي واستقلاليته.
إن مايعتبر قيمة مدنية في مجتمع أو مكان بعينه قد لايكون كذلك في مكان أو مجتمع آخر، كونه لايتوافق مع بنيته وواقعه. لقد تم تطوير القيم المدنية من خلال العلاقات الإنسانية، وتوليد الروابط المشتركة، بحيث يمكن نقلها مع احترام التنوع الثقافي اللامحدود، وكل مايؤدي للإدماج والتنمية الاجتماعية الأكثر توازناً وعدلاً. خصوصاً عبر وعي المتغيرات التي تطال المفاهيم القيمية، وبنية المؤسسات، وكل مايؤدي بالضرورة إلى سيولة هذه القيم مع غياب الأساس الاجتماعي لها، وعدم انتظامها في إطار منظومات فرعية أو منظومة كلية، بحيث لاتتمكن من تقديم صورة متكاملة للعالم، وما يمكن أن نعتبره جزءاً من القيم الإنسانية العالمية وتحولاتها في المجتمعات، بسبب ثورة الاتصالات والعولمة والتفوق الاقتصادي والعسكري، وكل مابات يشكل مرجعيات معاصرة للقيم المدنية الإنسانية.

طلال معلا
Talal Moualla

الآراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.